جون بول أسطورة تحتضر …!
لا يمكن التعاطي مع الانجليز على أنهم كسائر الشعوب الاوربية وإن كانوا كذلك.فهناك ما يميزهم عمن سواهم في اوروبا.من حيث العادات والتقاليد والاهم العرق الانجلوسكسوني من جهه٬ والكنيسة الانجليزية من جهة اخرى. ناهيك عن لغتهم التي اصبحت فيما بعد لغةً كونية.

على الرغم من طغيان العرق الانجلوسكسوني في عهد الملكة فيكتوريا التي اعادت الحياة الى هذا المصطلح إلا أن الشخصية الانجليزية لم تتأصل عبر عرق بل من خلال عدة حقب من الزمن فتطورت بعد ان عركتها الايام والسنين . ام الثقافات الاخرى فكانت بالنسبة لها مثل الانهر والسواقي التي تصب في هذا المحيط٬ جسْد حصيلتها الرسم الكركتيري الذي أُطلق عليه اسم (جون بول) في هيئة بطل تخيلي لشخصية الانجليزي على غرار (انكل سام) لدى الأمريكيين. إلا أن شخصية (جون بول) التي ابتكرها الرسام الاسكوتلندي (ديفيد اربثنبوت) عام 1712 م ترمز إلى شخصية تاجر سوق وليس كما يتبادر للأذهان بأنها مستوحاة من شخصية قريبة من طبيعة الإنجليز كشخصية بحار أو عالم او شخصية لاحد من النبلاء مثلا…. لكن (جون بول) ظهر بملامح تاجر سوق كظوم لا يفشي بما يدور في ذهنه بل يتريْث ويفكر ملياً قبل ان يعطي إجابة. واثق من نفسه٬ يتكيف مع تقلبات السوق من دون أن تتأثر مكانته الاجتماعيه.له شدقين منتفخين تميل الى الحمرة٬ إذا تكلم يلويهما بغية التحذلق في الكلام.يتكئ على عصا ويرافقه كلب من نوع (بول دوق) قريب الشبه منه …! إذا أضُطر (جون ) يشد الحزام ويضغط على كرشة٬ ليوفر قليلا من المال…! مزاجه يعلو ويهبط مع النشرة الجوية٬ يؤمن بالحرية الشخصية وباحترام القانون.شخصية أقرب إلى الرجل الانجليزي في العصر الفيكتوري أو على الأقل إلى ما قبل الحرب العالمية الثانية٬ حيث تلاشا أي نسق لمعالم تلك الشخصية مع بداية التسعينيات من القرن الماضي.
تأبين جنازة صاحبها حي …!
تعرفت على (لانس وايت) خلال رحلة صباحية في القطار، ثم أصبحنا صديقا منفعة. كان يسكن في قرية أخرى قريبة مني ويستخدم نفس القطار من (بيترزفيلد) الى (لندن) كل صباح.ام انا فكنت استخدم القطار احيانا. (لانس) موظف في بنك استثماري كبير٬ انجليزي صِرف طويل القامة، وسيم، ملامحه انجلو سكسونيه، شعره اشقر مفروق من الوسط،قد تجاوز الأربعين بقليل، وله ابتسامة جذابة تغري أي فتاة مهما كانت محتشمة. زارني (لانس) في احد ايام الصيف الجميلة و جلسنا في الحديقة بعد ان تناولنا الغداء فقلت له : بأنني جئت إلى بريطانيا عام (90) ومكثت فيها خمس سنوات ولكنني عندما عُدت اليها الان (عام ٩٨ ) لاحظت تغيْرا واضحا مقارنة بفترة بداية التسعينات،حيث وجدت الشباب بالذات،أقل تحفظاً وأسهل تواصلاً من ذي قبل. يبادرونك بابتسامة مقرونة بعبارات ترحيبية … ملابسهم فضفاضة غير رصينة،كذلك صارت المحلات التجارية والمقاهي تعج بأصوات موسيقى ( البوب) الصاخبة. لم تكن تلك الأمور موجودة سابقا على ما اذكر … فقال لي : صحيح يا صالح … هذه فترة حرجة في تاريخنا الحديث، أصبحنا تحت تأثير دوامة انفتاح هائلة … على الجنس والمرأة والموسيقى وفي جميع مناحي الحياة بتأثير من الثقافة التي هبَت علينا من الساحل الغربي للمحيط الأطلسي . هذه الثقافة صارت تُعرف اصطلاحا ب (ثقافة الشباب) اضف الى ذلك وجود العديد من الأقليات العرقية المختلفة من آسيويين وأفارقة … فقاطعته قائلاً: وما دخل هذا بمسألة الانفتاح … ! دعني اكمل يا صالح لكي اوضح لك العلاقة بينهما، نحن نعيش في ورطة ثقافية منذ الثمانينيات … فهناك اشخاص هاجروا الينا و اتخذوا من بريطانيا بلداً لهم، وظهر ماصار يُعرف في بريطانيا (بالتعددية الثقافية ) شعار ابتكره رجال أعمال من الخارج وسياسيون جدد من خارج مؤسسة الحكم العريقة ساخطون على موروثنا الثقافي استطاعوا تحويل هذا الشعار الى قانون مسلط على رقابنا ولا احد يجرؤ على المجاهرة بانتقاده سوى الخارجين عن القانون، الذين يجوبون الأزقة المظلمة في جماعات من اصحاب (التاتو) واحذية الجلد الطويلة والسراويل المرقعة … بينما معظم الإنجليز من أمثالي، يعتبرونه مجرد ديباجة لا تعني لهم شيء. ولكن من المعروف يا (لانس) أن الشعب في بريطانيا هو من يصوت على القوانين قبل اعتمادها … لا يا صالح المواطنون في هذا البلد لا يصوتون على القوانين، لكن لهم الحق في انتخاب أعضاء في البرلمان هم من يضع القوانين نيابة عنهم … ومن المفارقات العجيبة يا صديقي أن هذا المبدأ او ما يعرف ب(التعددية الثقافية) جاء في الأساس لإشاعة الحرية بين الناس، إلا أن أصحاب الأرض من امثالي لا يمتلكون الحرية للتعبير عن رأيهم حيال انتقاد هذا المبدأ خشية الوقوع تحت طائلة القانون الذي وضعه فئة غريبة علينا متنفذة في المجتمع … هذا هو الوجه القبيح للديمقراطية ! أرأيت كم نحن اغبياء يا صالح …! عذرا .. ربما هذا رأيك الشخصي يا (لانس) … صدقني معظم الإنجليز يعانون من هذا الشيء فباتوا يشاهدون ثقافتهم وتقاليدهم العريقة تتعرض للتهميش والإفساد. هل تعلم ان الطفل الانجليزي في المدارس الابتدائية في وسط لندن صار أقلية بنسبة واحد الى أربعة …! ضع اقدامك في حذائي ( اي مكاني) هل تؤيد يا صالح نظاما يجعل السعودي ابن البلد يتحول إلى أقلية … ! كيف نرضى ان تصبح الهوية الانجليزية مسألة اختيار … ! لذلك فلا أنا ولا غيري مقتنع بفكرة (التعددية الثقافية ) ولكنها فرضت علينا والسبب ان الإنجليزي بطبعه منصاع إلى القوانين وكأنه خٌلق لكي يُلام ويُنتقد حتى صار حالنا كمن ورث قصر مع ورثة لا يمتون له بصلة هو ويعيش في غرفة منزوية بينما بقية الورثة من الغرباء يهيمنون على جميع غرف القصر. … ! لاحظت ان (لانس) كان منفعلا على غير العادة، فحاولت احتواْ نبرة الانفعال تلك بتمرير سؤال : ولكن اين مؤسسة الحكم العريقة التي تحدث عنها يا لانس ؟ فأخذ نفس طويل ملأ صدره بالهواْ ثم تناول كوب القهوة واخذ رشفه واسند ظهره على الكرسي ووضع رجل فوق رجل … اسمع ياصالح المقصود بمؤسسة الحكم العريقة او الطبقة العليا (الارستقراطية) هم قرابة مئتين عائلة يمتلكون معظم الأراضي في بريطانيا هم من اصحاب الاملاك والنفوذ ينأون بأنفسهم عن طبقة الأغنياء والتجار بل ان الحديث عن المال يعتبر بالنسبة لهم شيء مبتذل …! سكت برهة ليأخذ نفس لكنني استدركته … عفوا يا لانس لم افهم كيف لملاك اراضي التحكم في سياسة دولة عظمى مثل بريطانيا …؟ صحيح معك حق وسؤالك منطقي ولا غبار عليه … فالارض تاريخيا والى قبل الحرب العالمية الاولى هي التي كانت تمنح المكانة الاجتماعية والسلطة السياسية والعوائد المالية من الايجارات، هؤلاء كانوا الى حدٍ ما أشبه بسلالة مختومة بختم الرقي في التعليم في مدارس ايتون واكسفورد وكامبيريج يتمتعون باخلاق وقيم و نفوذ بل كانوا عصيين على الفساد الى حد كبير، يقدمون مصلحة البلد على مصالحهم الشخصية. وضعت يدي خلف رأسي مشبكا اصابعي ومحملق في الفضاء … الى الان ما فهمت تلك العلاقة …! حسنا يا صالح … هذا العرق هو من انتزع الصلاحيات من الاسرة الحاكمة وصنع بريطانيا العظمى التي ذكرت من خلال سن القوانين التي تكفل الحريات والمساواة وإنشاء المؤسسات في مختلف نواحي الحياة … يعني تريد ان تقول أن تُحكم بريطانيا من خلال بضع مئات من العوائل الأغنياء افضل من ان يأتي حاكم من عامة الشعب كما هو حاصل الآن …؟ لا يا صالح … ربما لم أُفلح في شرح الفكرة بعد … اولا : اريد ان اصحح واكرر بأن الطبقة العريقة ليسوا من الاغنياء هم فقط اصحاب املاك وايضا قيم و خبرة ونفوذ … انا لست ضد ان يأتي رئيس وزراء ينتمي الى عائلة من الطبقة الكادحة من امثال (توني بلير) الذي كان ابناً بالتبني او (جون ميجر ) الذي كان والده عامل بناء … بالعكس انا مع هذا التوجه فمن حق اي مواطن بريطاني مهما كانت خلفيته ان يصل الى الى اعلا المناصب … هنا بدأت اشم رائحة تناقض في كلامك يا لانس … ! انت مع مؤسسة الحكم العريقة (الأرستقراطية) من ناحية وفي نفس الوقت تؤيد السياسيون الجدد (الطبقة الكادحة) لقد أدخلتني في منطقة ضبابية … ! حسنا لا اريد افساد هذا اليوم الجميل والمشمس بحديث جاد وطويل كهذا دعنا نطلق ساقينا قليلا بين هذه الحقول … نهضنا على الفور فسلكنا جادة كثيفة الأشجار مشبعه بالرطوبه محاولين تجنب بقع من اثار امطار البارحه وقد خيم علينا السكون فيما عدا بعض النداءات من طائر الرفراف وقرع حوافر الخيل في الأسفلت ثم استوقفت لانس وقد فاحت رائحة الصوف من معطفه من اثار الرطوبه واقترحت عليه ان نسير باتجاه مزرعة السيد (هيث) حيث يوجد بها اسطبل للخيول كنت قد استأجرت منه مكانا لفرس عربية اسمها من (انوتا) اسميتها (هلا) بعد ان اشتريتها للاولاد لاشغالهم عن بعض الامور التي عادة ما يخشى منها الاب على ابنائه. قضينا بعض الوقت مع الفرس قدمنا خلاله لها وجبة المساء عبارة كمية كبيرة من الرودس الجاف مع قليل من المكعبات المركزة مضاف اليها شعير ونخالة ثم داعبناها قليلا بعد ان مررنا الفرشاة على جسدها ومشطنا عرفها وذيلها الطويلان مع قليل من الماء والصابون ثم أصبحت جاهزة للمبيت. في تلك الاثناء فاجأنا صوت السيد (هيث) الذي كان واقفاً خلفنا لبعض الوقت قائلا : لقد قمتما بعمل رائع لا بد ان هذه الفرس الجميله سوف تشكركما عليه … التفت اليه وشكرته وعرفته بنفسي وقدمت له صديقي (لانس) اعتذرت منه لعدم مصافحته فايدينا قد عبثت ببالات التبن واكياس العلف … قال : لايهمكما تعالا معي لتغسلا ايدكما وتشربا معي كوبا من الشاي … وافقنا على الفور وسرنا معه باتجاه طريق ضيق مرصوف بحبيبات من احجار البحص الصغيرة بين اشجار من (الاوك) تعانق بعضها البعض، ثم انكشف لنا فجأة منزل عبارة عن قصر صغير منزوي بين الاشجار وكأنه لا يريد الاعلان عن وجوده … المنزل محاط بعدة حقول من الذرة والقمح، وعلى بعد عدة خطوات من المدخل لفحتنا رائحة التربة المنبعثة من خطوط المحراث في الحقل القريب من المنزل. فتح السيد (هيث) درفة الباب وتركها مشرعة و بإشارة ترحيبية بيده دعانا الى الدخول الى غرفة جلوس متوسطة الحجم جدرانها مطلية باللون الاصفر المطفي و سقفها مرتفع تزينها ثريا من نوع (مورانو) ونوافذ شاهقة لها اطار ابيض عريض. وأمام المدفأة كان هناك كلب من نوع (دالميشن) متوسد ذراعيه لم يعبه بنا. السيد (هيث) قد تجاوز الثمانين يرتدي قميص ناصع البياض وجاكيت بليزر ازرق بازرار مذهبه ومنديل احمر ظهر طرفه في جيب الصدر وبنطلون كاكي. شعره كثيف بالنسبة لرجل مسن قد غلب عليه البياض، مخضب بالجيل ومُسبط للوراء بعناية ليخفي بقعه صلع صغير خلف الجمجمة. له حواجب سوداء كثيفة وبارزة فوق عينيه، طويل القامة يندر ان تجد من يتجاوز كتفيه…! بصحة جيدة إلا أنه إذا تكلم تشعر بأن الكلام يخرج من تحت انفاسه، فتضيع بعض الكلمات التي في وسط الجملة . جلسنا انا و (لانس) متقابلين عند المدفأة بينما هو غطس في اريكة بيننا واضعا رجل فوق اخرى. ثم اتى خادمه مسرعا يحمل سلة فيها حطب وضعها على جنب بعد ان اخذ منها عدة اعواد مبرومة دسها بعناية في المدفأة بينما السيد (هيث) سرح برهه يراقب الخادم ضاغطا بإصبع الإبهام على شفته السفلى … ثم صر ما بين عينيه وقطب حاجبيه
عدم الاكتراث … لا تكن ملفتاً للنظر …!
عندما باشرت عملي عام ٩٨ من القرن الماضي على وظيفة (الملحق البحري في بريطانيا) في البداية لامني البعض من الزملاء عنما قررت السكن خارج لندن في قرية (كلانفيلد) في مقاطعة هامشير والتي تبعد مسافة ساعه عن مقر عملي في (لندن) على اعتبار ان المكان المناسب من وجهة نظر من سبقوني هو حي (اكتون) الذي يقطنه معظم السعوديون لقربه من اكاديمة الملك فهد الذي تحول مع الوقت الى اشبه بحي عربي البيوت فيه متشابه صغيرة ومتراصة هو عبارة عن نسخة مشوهه لحي انجليزي وعلاقته بلندن من حيث الشكل المضمون مجرد علاقة مكانية . ربما اكون ثاني شخص اقدم على تجربة السكن والعيش في حي انجليزي صِرف بعد زميلي صالح الربدي الذي كان يسكن في سولزبيري … صالح رجل خلوق جدا و من عائلة مرموقة وعريقة في القصيم وزوجته إمرأة فاضلة من اصل سكتلندي اعتنقت الاسلام قبل الزواج من صالح .
في الاشهر الثلاثة الاولى عانيت كثيرا من كسر الحاجز لاستنطق احدا من هؤلاء الجيران محاولا الظفر ولو بصديق واحد من بين ١٦ بيتا يجمعهم شارع فرعي ضيق نهايته مغلقة . فلو قُدّر لك مواجهة احداً منهم يخيل اليك بأنه أصم لا يلتفت ولا يكاد يرفع عينيه عن ما هو امامه او الطاولة التي يجلس عليها أو الصحيفة التي يقرأها. تجانس عجيب بينهم وكأنهم جميعا ينتمون إلى مدرسة واحدة في الطباع لا يتخلون عنها ابدا. يتوارى الانجليزي عن الناس بقدر ما يستطيع حتى بين الجيران لا يعد الشارع مكانا لتبادل الاحاديث الودية كما هو الحال بالنسبة للالمان او الفرنسيين بل يفضلون ممارسة ذلك في الحديقة الخلفية لمنازلهم حيث تكون اللقاءات محصورة على المدعوين فقط.
الانجليز بوجه عام لا يهمهم إن كانوا محبوبين ام لا … ولا يعنيهم رأي الشعوب الاخرى اتجاههم سواء كان سلبا او ايجابا ! فلا يبادرون بالسلام إلا لمن يعرفون وإن فعلت ينظر اليك باستهجان كأنك تطلب منه شيء . حاولت التقصي لتعرف على ثقافتهم عبثا عن طريق الاستعانة بالكتب،ولكن إنجلى لي فيما بعد ان الانجليز يكتبون عن الشعوب الاخرى في شتى المجالات بينما يهملون الكتابة انفسهم …! ربما نوع من الثقة بالنفس او من مبدأ أن المعروف لا يُعرْرف …! بحثت كثيرا ولم اجد آنذاك سوى كتاب واحد مؤلفه امريكي …! هو الفيلسوف المعروف ( Ralf Wldo Amerson ) رالف ولدو اميرسون تحدث فيه عن ثقافتهم في احد فصول كتاب له اسمه ( English treats ) لم يروق لي ولم اجد فيه ضالتي بسبب اسهابه في مديحهم ويعزو الكثيرين ذلك الى اصوله الانجليزية.
يتندر الانجليز على انفسهم من ظاهرة عدم الاكتراث لديهم من خلال هذه القصة التي تقول : إن رجلان انجليزيان كل واحد منهم على ظهر جمل، أحدهما قادماً من العراق قاصداً مصر والآخر قادماً من مصر متجهاً الى العراق، التقيا في الصحراء السورية حيث أخذا في الاقتراب من بعضهما الى ان تقلصت المسافة بينهما تدريجياً فتأكد كل واحد منهما من الملامح الانجليزية للاخر، فاستمر الجملين في الاقتراب من بعضهما حتى تضاءلت المسافة بين الرجلين بحيث لو همس أحدهما إلى الآخر لسمعه. مع ذلك لم يفكر أحدا منهما بإلقاء السلام أو بدء الحديث مع الآخر …! لولا أن الجملين توقفا بوازع من الغريزة ورفضا السير عندها أُضطر الرجلان للسلام على بعضهما فاستطاعت غريزة الجمل العربي أن تنقذهما وتهزم ظاهرة عدم الاكتراث عند الانجليز …
في الاشهر الاولى كنت اتعجب من ظاهرة حالة عدم الاكتراث لدى جاري اللصيق السيد (جيف) الذي كان يعرفني واعرفه جيدا مع ذلك عندما يركن السيارة أمام بيته واكون انا واقفا امام بيتي بشكل ملحوظ لا تفصلنا عنه سوى بضعة خطوات محاولا عبثا لفت انتباهه بينما هو منهمك في حمل اكياس التسوق لا يلتفت لي ولا يلقي بنظرة ولو خلسه وكأنني لست موجودا… ! هو لم يكن يتعمد ذلك حيث عرفت فيما بعد ان هناك ظاهرة اسمها عدم الاكتراث او التَمنْع في الثقافة الانجليزية وايضا بأن رفع الصوت والسلام من بعيد امر غير معتاد لديهم وان تُحدق بنظرك الى شخص اخر مباشرة بدون اي سبب قوي يُعد في ثقافتهم تصرفا عدائيا. إذابة الثلج والدخول في حوار مع الانجليزي يتطلب سبباٍ مقنعا خصوصاً اذا جاء ذلك في إطار طلب مساعدة وهذا الذي اكتشفته بمحض الصدفه مع الجار (جيف) الذي تجاوز السبعين آنذاك حيث لم يتأخر في تقديم المساعدة حين كنت مسافرا واتصلت به زوجتي في وقت متأخر من الليل لاصلاح ماصورة في المطبخ . طرقت زوجتي عليه الباب ففتح الباب متجهماً فقالت له زوجتي إن كان يعرف سباك …؟ فقال بكل ثقة : نعم … أنا … مع إيماءة باصبع السبابة الى صدره …! ثم جاء على الفور مبتسما وهو يحمل صندوق العدة واصلح العطل بعد مرور ثلاث ساعات من العمل الشاق.هذا الرجل كان احيانا يُبادر بنفس طيّبة ويأخذ اطفالي معه الى احدى البحيرات لممارسة هواية صيد الاسماك .علما بان (جيف) ينتمي الى الحزب القومي البريطاني المناهض لهجرة الاجانب وتعدد الاعراق ويحذر من اسلمة بريطانيا.بعد مرور عدة سنوات توطدت علاقتي مع (جيف) سألته ذات مرة كيف توفق بين علاقتك الحميمية معي وبين انتمائك الى حزب مناهض للاجانب والمسلمين …! فقال : ما يعنيني هو السياسات المتبعة وليس الاشخاص، انا فقط اريد الحفاظ على الهوية الانجليزية اي البريطانية . على الرغم من ان (جيف) قد اقنعني حينها ولكن في حقيقة الأمر مهما كان (جيف) صادقا فإن القوانين هي التي تمنعه وتمنع غيره من المساس بالآخرين على اساس عرقي او ديني . هذه القوانين قد مضى على تطبيقها أجيال فأصبح الوقت متأخرا بالنسبة للانجليز لو أرادوا تعديلها فضلا عن التخلي عنها.
جاري الاخر (نيل) كان ودودا طيبا ايضاً لا يتوانا في تقديم المساعدة . كان في طريقه الى الدوام ذات يوم عندما شاهد سيارة زوجتي متعطله في الطريق فهرع لمساعدتها وبدل الاطار بنفسه في يوم مطير شديد الرياح والبرودة. ثم عاد الى بيته لتغيير ملابسه المبتلة والمتسخة من سواد الاطارات. هذا الجار الاخر ايضا عضو غير بارز في محفل فرعي لتنظيم الماسونية العالمية …! اكتشفه صديقي لبيب السامرائي في حديث دار بينهما في بيتي. لبيب مثقف من الطراز الاول استدرج (نيل) في الحديث وسحب منه الاعتراف بانه ينتمي الى المنظمة الماسونية في مدينة بورسموث.
الخصوصية …
معظم بيوت الجيران لديها حديقة امامية وخلفية ولا اذكر ان احدا منهم قد جلس في حديقته الامامية مثل بقية شعوب اوروبا على الرغم من عنايتهم الفائقة بها والتي لا تقل عن عنايتهم بالحديقة الخلفية . اكتشفت فيما بعد بان الانجليز لا يبدون اهتماما بنظرة الاخرين لهم سلبا او ايجابا … وان هناك ظاهرة اخرى لها قدسية عندهم اسمها الخصوصية …! الانجليزي يدخل الى بيته أوصد الباب من خلفه من دون ان يلتفت وراءه و يختفي ولا يظهر للعيان إلا اذا خرج من المنزل للعمل او لمشوار محدد . لذلك تشاهد احيانا قصور جميلة في الريف الانجليزي لكنها لا تبدو للعيان متوارية خلف الاشجار ولا تصرخ بوجودها حباً في الاغراق في التواري عن الانظار … ظاهرة الانزواء من السلوكيات التي تُضايق غيرهم من الشعوب الاخرى،سلوكيات منفرة لمن لا يعرفهم ولكن هي في الاصل تدل على رغبتهم الجامحة في الدفاع عن خصوصيتهم. الانجليز يسمونها الخصوصية بينما غيرهم يرونها كراهية . التوجس من الاخر امر متجذر في نفوسهم ولا تعرف مدى تقبله لك إلا عندما يدعوك الانجليزي الى مشروب او يعطيك بطاقة الاعمال (business card ) عندها تعرف بانك قد تمكنت من كسر الحاجز الذي بينكما وبات ان لديه رغبه في التعرف عليك اكثر فهو لا يفصح عن هويته إلا اذا رغب في ذلك وعند الضرورة، لاحظتهم حتى في الفنادق اذا اراد ان يسأل عن الحجز يهمس باسمه لدى موظف الاستقبال لكي لا يُسمع باسمه أحد …! لذا اذا اردت ان تعيش مقبولا بينهم تظاهر بعدم الاكتراث وإلا سوف تتعرض دائما للاحراج بسبب مبادراتك الغير محسوبة.
هدية الإنجليز للعالم …
الشيء الوحيد الذي وجدته مشتركا بيني وبين الانجليز كضابط بحري هو ان الشعب الانجليزي من اكثر شعوب العالم تعلقا بالبحر،فإن صح التعبير فهم مجتمع بحري بامتياز.معظمهم لديهم دراية باساليب الابحار وانواع السفن المختلفة ساعدني هذا الامر في بناء علاقات مع الكثيرين . كما ان هواية القوارب الشراعية متجذرة في نفوسهم احيانا تنافس لعبتهم المفضلة الكريكيت في بعض المناطق. على النقيض من الشعب السعودي الذي يتصور بان العمل في البحرية له علاقة بصيد السمك …! بل ان احد الانجليز استغرب عندما قلت له بأن الشباب السعودي يفضلون الطيران على البحرية …! على اعتبار ان القوات البحرية في بريطانيا تحتل المرتبة الاولى بين افرع القوات المسلحة لديهم. فلا غرابة ان تحتل البحرية البريطانية مكانة مرموقة بين الناس لارتباطها الوثيق بمصالحهم المباشرة خصوصا إبان عهد الامبراطورية البريطانية، عندما كانت مهمتها الرئيسية هي حماية قوافل من السفن التجارية محملة بسلع مصنعه في بريطانيا قد تم الاستيلاء على موادها الاولية من مستعمرات لتجد طريقها الى الأسواق حول العالم . اي ان فكرة الامبراطورية في اساسها لم تكن تهدف الى احتلال الاراضي او اذلال الشعوب بل هي عبارة عن مشاريع تجارية محضة. هم تجار ابناء (جون بول) لذلك عندما فشلت تلك المستعمرات في تحقيق الارباح المنشودة فشلت فكرة الامبراطورية وانهارت برمتها. بالطبع كان هنالك مشاريع ثقافية وتبشيرية مصاحبة كانت تمهد الطريق لتمدد الامبراطورية، لكن جهابذة الامبراطورية كانت اعينهم منصبة على المال والمال فقط. انتهى كل شيء ولم تعد بريطانيا عظمى بل مجرد دولة في شمال اوروبا قوية نسبيا. وعلى الرغم من كل خطاياهم التي لا تُعد ولا تُحصى في حق الشعوب يفتخر الانجليز بانهم قدموا هدية ثمينة للعالم اجمع وهي لغة يتحدث بها شعوب العالم عوضا عن لغتهم الأم…! على الرغم من ان الانجليز انفسهم يعترفون بان اللغة الانجليزية لم تعد ملكا لاحد. بامكان اي شخص قي العالم اضافة كلمة تحمل المعنى الذي يريده هو بشرط ان تنتشر ويتم تداولها بمعدل يتوافق مع المعايير التي وضعها مركز قاموس اكسفور التابع لجامعة اكسفورد . علما بان هذا المركز يٌخضع اكثر من ثلاث الاف كلمة للاختبار بهدف اضافتها للقاموس.
دموع العيد …
كانت السفينة عائده الى ميناء (ولستون) النائمة على ضفة نهر (اتشين )جنوب بريطانيا، كانت السفينة تبحر بحذر وهي تعبر النهر،تعاني من صلف الرياح ومن تيارات مائيه جارفه ومتغيره. قيل ان مصدرها تيار دافيء قادم من خليج المكسيك، حال دون تحول الجزيرة البريطانية باكملها الى كتله من الثلج . في المررات المائيه المزدحمه كهذا المكان.فعلى الرغم من التطور الغير مسبوق في اجهزة الملاحة٬ فلا يزال تجاهل المؤثرات الطبيعيه المسبب الاول لغرق السفن بعد الحروب ومرض سكيرفي في ما مضى (نقص فيتامين سي) كان الجو آنذاك رمادي كئيب،تحتجب فيه الاشياء وتظهر تبعا لكثافة الضباب، لكنه لم يحجب الشوق عن قلوب بحاره باتت فرحة العوده متوسعه في صدورهم،إثر غياب طويل محفوف بالمخاطر دام اكثر من شهر.عدنا في يوم من ايام الله … ألا وهو يوم (عرفه) الناس فيه يكبرون ويهللون مع صوت اذان المغرب الذي انطلق عبر مكبرات الصوت الخارجيه … الله اكبر … الله اكبر .. فامتلأت الاعين بالدموع … دموع العيد. .. بينما سرى صوت هذا النداء ليصل صداه الى جنبات هذا النهر المزدحم بمنازل متراصة، اسقفها من القرميد الاحمر،تنفث دخان من المدافيء يتلوى متصاعدا من بين أشجار قد نفضت اوراقها بعد ان انهكها شتاء طويل. افطر الصائمون على عجل في مراكزهم، على تمر وشربة ماء،وانا ايضا تناولت افطاري واناجالس على كرسي (الكابتن) في برج القياده،تحت الاضواء الحمراء الباهته،اراقب واستمع الى ما يصدر من تقارير واوامر بين المواقع، لا اتدخل إلا معقبا او مصححا لاجراء. الشعور بالوحده يلازم كل (كابتن) والسبب تفرده بالمسئولية… فيمضي الوقت ببطىء وقد الفت اذني ازيز المحركات،وتكتكات العدادات، وطنين الاجهزه، وقرع الاجراس التي تنبه اكثر مما تخيف ..! وفي تلك الاثناء فجأه نط احد البحاره مثل الزنبرك مناديا … هناك رجلا رمي بنفسه من فوق الجسر الذي امامنا يا كبتن … فامسكت بالناظور احدق في الجسر الشاهق الذي يربط بين ضفتي النهر مجاولا التحقق من رؤيته فلم ارى سوى خيال لسواد يطفو فوق سطح الماء بسبب الرؤية المتدنية . لقد اختار هذا الرجل التوقيت بعناية فائقة في اللحظة التي يصل فيه الجزر الى الحد الادنى لتنكشف الصخور التي في حافة النهر ليهوي بنفسه فوقها. فاتصلت بمرشد الميناء على الفور بعد ان التقطت انفاسي من هول المشهد… فجاء رده مفاجئا وغير مكترث وكأنه يرد على مكالمة روتينية : لا تقلق سيدي تركيبة العالم لن تتفكك …! هذا هو الضحية رقم ٣٢ … ! اسكتني كمن يسكت ساعة منبه، ولكن تمكنت مني ابتسامة حزن ساخره …! ثم التفت الى من حولي وقلت : من منكم يريد ان يصبح رقم ٣٣ ..! ضحك الجميع بعد شيء من التردد … فعلى اي حال فهذه حادثة الانتحار رقم ٣٢ منذ انشاء الجسر قبل ربع قرن مع ذلك فالاحصاءات تشير الى ان الانجليز هم الاقل في معدلات الانتحار مقارنة ببقية دول اوروبا …! ثم ناداني ضابط الملاحة (زيد) قائلا : عن اذنك كابتن .. هناك سفينه حربيه بريطانيه قادمه سوف تمر على مقربه منا،فوقف زيد بجانبي لكي نتبادل التحايا حسب الأعراف المتبعه بين السفن العسكريه الصديقة، فمن باب الفضول امسكت بالناظور فشد انتباهي ظابط الملاحه الذي يقف بجانب كابتن السفينه الاخرى، فاعطيت زيد الناظور لكي يرى بام عينه .. فوضع الناضور صوب السفينه الاخرى ثم التفت الي ونخر نخره .. وهو يلعب بحاجبيه قائلا : يا عيني على ضباط الملاحه .. بنت شقراء ممشوقة القوام ومخملية العينين .. والله حلاوه .. قلت : نعم الدنيا حظوظ يازيد .. ! ضحك ضحكه جزله وقال بحس دعابه متمرس : مهما يكن ليس هناك أسواء من حظي يا كبتن ..! سلقت زيد بنظره توحي بان ملفه سوف يتحول الى بقع سوداء. ..! لمعت انوار الميناء وانحرفت السفينه باتجاه الرصيف الذي انكشف امامنا وظهرت مجموعة من العوائل السعوديين على جانب من الرصيف في انتظار ذويهم،بينما وقف خلفهم فتيات إنجليزيات، يلوحن بأيديهن اتجاهانا قاصدين بحاره شباب من ذوي الشعور المخضبه بالجيل، لكن الحياء من عيون الاخرين منع هؤلاء من رد التحايا … فلا غرو فمن على ظهر هذه السفينه هم من طينة البشر، يمثلون شرائح مختلفه من واقع المجتمع. اما على الجانب الاخر من الرصيف، وقف محتجون يحملون لافتات مكتوب عليها .. ايها السعوديون اوقفوا هذا الصراخ وعودوا الى بلدكم … اتصلت على ممثلنا السيد (تيري) فقال : كابتين يبدو ان لدينا مشكله ..! هؤلا المحتجون هم سكان الحي الواقع على ضفة النهر المقابلة من مكان رسو السفينة غاضبون من الازعاج الذي يصدره صوت الاذان من السفينة وهي راسية في الميناء خصوصا اذان الفجر وفي يوم الاحد بالتحديد ..! يبدو أن الامر اصبح لا يطاق لذلك تجد نائب في البرلمان يتقدمهم ويريد مقابلتك حالما ترسو السفينه… رست السفينة بعد ان استقرت الحبال حول رقاب الدعامات المثبتة في الرصيف، وادينا الصلاه على عجل ثم اقبل تيري يمشي مسرعا بقامته الطويلهة ممسكا بربطة عنقه لكي لا يفقد اناقته اثناء المشي. فاستقبلته وهو يلهث قليلا واخذته الى مكتبي،فجلس امامي واضعا ذراعيه على على ركبتيه، وهو منحي الى الامام وقاال وهو يلتقط أنفاسه : حسناً .. النائب في طريقه الينا.. وما هي إلا لحظات ثم دخل علينا رجل انجليزي صرف قصير مكتنز ناتىء العينين، له شدقين منتفخين قريب الشبه من ونستون تشرشل . لم يكن متعال او مغرور، بل صافحني وقال : انا النائب (مالكوم سواير) من الممكن تناديني (مالكوم) أي انني جأت لمهمه ولا داعي لاضاعة الوقت بالالقاب . ثم جلس وهو متجهم … ثم قال بتأفف : ايها السادة اسمحوا لي بسؤال .. متى سيتم ايقاف هذا الصوت ..؟ تملصت انا من الاجابه بغية البحث عن جواب مناسب فرد عليه تيري قائلا : للمعلوميه هذا نداء لصلاه وليس مجرد صوت .. حسناً … لا يهم .. امنع هذا الصوت وسمه ما شأت ..! قلت اسمع يا مالكوم : قبل كل شيء انت هنا الان على ظهر سفينه عسكرية، لذلك تعتبر على ارض سعوديه طبقا للقانون الدولي، أي اننا في داخل هذه السفينه نخضع للقوانين المحليه لبلدنا،ولنا الحق في ممارسة شعائرنا التعبديه كيفما نشاء، كما ان لكم الحق في قرع الاجراس يوم الاحد لو قامت سفينه بريطانيه بالرسو في احد الموانىء السعوديه، او حتى تناول الخمور داخل السفينه،علما بان القوانين السعوديه تمنع ذلك … فقاطعني رافعا كفه في وجهي وقال : شكرا جزيلا … لست بحاجه الى سماع محاضره في القانون الدولي،اريد حل للمشكله وانتم .. ثم قاطعه تيري بحده قائلا : ومن قال لك اننا لا نريد ذلك ..! هؤلا جاؤا الى هذا الميناء الذي صنعت فيه سفينتهم قبل ٥ سنوات، حيث كانوا ولايزالون يؤمنون على الاقل ٣٠٠ وظيفه لهذا الحي والأحياء المجاورة .. هل تعتقد يا مالكوم انه من اللائق ان تواجه هذه السفينه وطاقمها بلافتات معاديه كالتي يرفعها ناخبيك ..! انت تعلم بان القانون في هذا البلد يجرم شعارات الكراهية كتلك التي يرفعها هؤلاء الذين في الخارج. وللمعلوميه هذه السفينه لديها تصريح بالرسو هنا من قبل السلطات العليا للبلدين … اي انها خاضعة للاعراف والقوانين الدبلوماسيه، وليس الى أي سلطة او حكومة محلية. ليكن في علمك بان هؤلاء المحتجون قد اختاروا أسلوبا قد يقودهم الى المسائله القانونيه ..! شعرت بان مالكوم قد انكمش واصبح عاري من اي سند قانوني في بلد القوانين فيه متجذرة في نفوس الناس وفي جميع مناحي الحياة .ايضا تأكدت بان موقف تيري بدى مؤازرا لي، وشعرت حينها بانني مسنود فتوجهت له بالسؤال : مالحل المناسب برأيك يا مالكوم ..؟ لا ادري .. قالها وهو يحملق في الفضاء … مهمتي هنا المطالبه بحل وليس ايجاد حل .. وانت ياتيري ؟ كابتين للامانه انا اعلم بانكم تقدمتم عدة مرات للشركه الصانعه،بطلب امكانية حجب المكبرات الخارجيه اثاء الاذان تلافيا للازعاج إلا ان الشركه رفضت الطلب بحجة ان هذا يعتبر تغيير في التصميم ويتطلب موافقه من الجهات العليا لم يترتب على ذلك من تكاليف مادية .. قلت اذن يا صديقي مالكوم : نحن مستعدون لايقاف مكبرات الصوت الخارجيه اثناء الاذان ولكن عليك اقناع الشركه الصانعه بالموافقه على عمل هذا التغيير، اي ان خصمك هم الشركة فعليك الاحتجاج لديهم قال : تماما .. انا فهمت الامر وسوف اقوم بالضغط على الشركه لعمل اللازم . نهظت ثم نهظ وودعته بابتسامه عريضه ومصطنعه، ثم ناديت عليه بعد ان ابتعد عني عدة خطوات وقلت ممالقا بسخرية: لو رفضت الشركه اي طلب لي مستقبلا فسوف استعين بك ايها مالكوم .. ضحك وهو يهز كتفيه ثم انصرف. ثم قلت لتيري بامكانك ان تبقى اذا اردت. شكرت تيري علي موقفه وطلبت له ولي كابتشينو مع شيزكيك، تناولنها في جو ودي. دخل (احمد) امام السفينه وطلب مني ٣٠ جنيها قيمة الاضحيه فاعطيته فسألني تيري: لاحظت ان احمد يجمع المال من الناس ..! قلت نعم : قيمة الاضحيه .. وماهي الاضحيه ؟ انها ثمن خروف يوزع لحمه في عيد الاضحى على الفقراء … قال : طالما انه يذهب الى الفقراء فهل يمكنني ان اضحي ؟ طبعا يا تيري .. فقال احمد لا ..لا .. لايمكن يا كابتن … الاضحيه تجب على المسلم فقط… قلت لتيري هات ٣٠ جنيها فاعطيتها لاحمد وقلت له نفذ الاوامر . .. ! بعدها خلى الرصيف من الناس بعد ان تفرقت الحشود وغادر طاقم السفينه باستثناء المناوبين ثم غادرت انا وحيدا ...
السيد تابسن في المستشفى …
دخلت السفينه وهي راسيه على الرصيف في يوم عادي جدا٬فقرع الخفير الجرس٬ واعلن عبر مكبرات الصوت٬وصول الكابتين .. مجرد بروتوكول يقصد به تسجيل حضور وليس التعالي٬ الكل كان يؤدي عمله مبتسما٬لما لا .. فالسفينه الصغيره التي لا يزيد وزنها عن ٧٠٠ طن٬ ولا يتجاوز تعدادها عن ٧٠ فرد٬ تشبه العائله الكبيره٬يحتفظ فيها القائد بعلاقه مهنيه مع مرؤوسيه٬ مبنيه على احترام ما لديه من خبره ومعرفه٬وعلى قدرته على توحيد الجهود وتوجيهها بعيدا عن التسلط.٬لذا نمط القياده الابويه يحضى بفرصة نجاح اكبر هنا. جلست في مكتبي اتناول القهوه٬فوجدت بطاقات مرصوصه، جميعها تهنئه بعيد الميلاد ورأس السنه القريبان منا. رديت على جميع الرسائل بنفس العباره .. اشكركم واتمنى ان تستمتعوا باعيادكم .. ثم اطلعت على تقرير عن حالة استعداد السفينه٬ يشير بان العطل في جهاز السونار لايزال قائم٬ وان جميع التجارب التي اجريت عليه من قبل الشركه الصانعه قد فشلت، لذلك تأخر استلامه من قبلنا،الامر الذي استدعى عقد اجتماع حاسم هذا اليوم. ثم تناولت تقرير اخر، عن الاحوال الجويه المتوقعه للخمس ايام القادمه، جو غائم ممطر ٬رياح شماليه غربيه سرعتها من ٢٠ الى ٢٥ عقده٬ارتفاع الموج من ٣-٥ امتار، درجة حرارة الهواء ٩ بينما درجة حرارة الماء ٤ .. ! الفارق الضئيل بين درجة حرارة الهواء والماء امر مستغرب خصوصا على من تعود على الفارق الهائل بينهما في مياه الخليج العربي، لذلك يحلو للانجليز التندر على اجوائهم كلما واجهوا امرا غريبا .. هذا غريب غرابة الجو الانجليزي..! جاء حسين ضابط العمليات ليخبرني بان موعد الاجنماع قد حان. يسود في الاجتماعات التلاعب بالالفاظ واستخدام الاساليب الملتوية، ذلك الفن الذي أتقنه الانجليز عبر تاريخهم الطويل، اكتشفته بعد عدة كبوات من الخداع والتمويه٬ فعندما يقول لك الانجليزي : من الممكن ان ننظر في الامر .. او .. هذا قابل للنقاش .. لا يوجد مانع من بحث المسأله .. سوف ندرجه على جدول الاجتماع القادم .. في حقيقة الامر جميع هذه العبارات لا تعني شيء، سوى الرفض بصيغة الموافقه . كان في الاجتماع كل من الشركه الصانعه لجهاز السونار،والفريق المختص بتقديم الاستشاره لنا الذي يقوده تابسن. وايضا العقيد مايكل من وزارة الدفاع البريطانيه. قام السيد تابسن من فريقنا الاستشاري٬ بتقديم ايجاز عن حالة السونار، وافاد بأن الجهاز لا يعمل طبقا للمواصفات، لذا لا يمكن استلامه في وضعه الحالي . فغضب كل من بيتر ممثل الشركه والعقيد مايكل٬ فرشقاه بكلمات جارحه وقويه، بينما انا وحسين كان موقفنا مساندا لتابسن،الذي وجدنا في كلامه المنطق السليم،المبني على الخبره والنزاهه ايضا. ثم التفت الي العقيد مايكل وقال : كابتين انا اعترض على كلام تابسن، لذا يتوجب عليكم الذهاب الى اسكتنلدا فورا لاجراء التجارب هناك،حيث المياه الصافيه والعميقه،وانا متأكد ان جهاز السونار سوف يعمل هناك،ومن يعترض على هذا يتحمل تبعات تأخير استلام الجهاز، فرد عليه تابسن قائلا : الذهاب الى هناك لا طائل من وراءه، سوف يكون بمثابة مضيعه للوقت والجهد، والسبب ان الجهاز يوجد به خلل في التصنيع، فعلى الشركه البدء فورا في عمل التطوير اللازم، بدلا من التوجه الى اسكتلندا.. هذا هو موقفي ولن اتزحزح عنه ولو على جثتي. انفض الاجتماع وغادر تابسن، وهو يشعر بالوحشه والضيق من جراء الضغوطات التي تعرض لها. اتصل علي ضابط سعودي كبير مساندا لرأي الشركه،وامرني بالتوجه الى اسكتلندا،فاصبت بخيبة امل، بعد ان عرفت بانه لا يوجد ثقب لا يمكن ان تمر من خلاله النقود، بما فيهم ثقب جيبه. .! ثم علمت لاحقا من العقيد مايكل باعفاء تابسن من عمله،بذريعة حبه لاكتشاف الاعطال وليس لحلها…! فلم يمضي وقتا طويلا حتى أدخل تابسن على إثرها مستشفى للعلاج من اكتئاب حاد . هذه ضريبه النزاهه وما يرافقها من أذى .. عندما زرته في المستشفى قال لي : كابتين ..لقد تعلمت ان اخدم علم بلادي بكل امانه واخلاص، ولم اتجاهل همس الضمير ولو للحظة طوال مدة خدمتي، ولم تخدعني تمويهات العقل يوما من الايام، لكنني اصبت الان بخيبة امل، وان المباديء والقيم التي التزمت بها طوال عمري، هي التي قادتني الى ان انام على هذا الفراش الابيض،مع ذلك سأظل وفيا لطريقتي الخاصه. ودعت تابسن وابنه وانا حزين متألما لم اصابه،ثم عدت الى السفينه، وجلست في مكتبي بعد ان اصدرت الاوامر بتجهيز السفينه خلال ٢٤ ساعه،والاستعداد للتوجه الى (آيل اوف سكاي) شمال غرب اسكتلندا، استقبل الطاقم الامر باستياء،ولكن الجميع كانوا على علم بظروف وملابسات الرحله. اتصل علي تيري مرشد الميناء : كابتين وصلني اشعار بمغادرتكم الى (ايل اوف سكاي) غدا قلت : هذا صحيح قال : كن حذرا من المياه الضحله هناك، ومن الصخور التي في جوانب الممرات الضيقه،خصوصا في ممر (ساوند اوف جورا) بالمناسبه هذا الاسم يعني خيبة الامل باللغه الاسكتلنديه ..! كما ان سرعة التيارات المائيه في المضائق٬ قد تصل الى ٨ عقد قلت : شكرا تيري، كنت هناك قبل عام واعرف المنطقه جيدا قال : حسنا.. لعلمك مرشد الميناء هناك صديقي اسمه مايكل٬ سوف أوكد عليه ليهتم بكم .. هذا لطفا منك تيري .. بالمناسبه هو رجل لطيف وزوجته جميله .. وايضا لديه ابنتان جميلتان تشبهان امهما .. ! أنسيت انني متزوج يا تيري .. ! اعرف كابتين ولكني اردت ان اخفف عنك وحشة المكان،خصوصا في هذا الفصل من العام.. حظا طيبا كابتين ونبقى على اتصال .. عظيم .. وانت كذلك تيري . جائني اتصال من الوالده .. انا قلبي معاك يا صالح .. هاه عساكم مانتم رايحين لهالديرتي المنحوسه .. ! لا والله يا امي .. بكره ماشين ادعي لنا بس .. تركدوا يا ولدي .. الله يحفظكم .. خذ كلم ابوك .. اشلون الاجواء عندكم .. معقوله يا ابوي .. برد عليكم .. اي والله .. ضحك .. نرسل لكم فروات من عندنا.. لا يا ابوي ودي انك ترسل عصي .. فيه ناس ودي ابلح ظهورهم .. ضحك .. هون عليك يا ولدي .. هذي العسكريه وانت عارفها .. الله معاك .. في امان الله. ثم دخل علي مساعد القائد الرائد بندر ومعه احد الافراد اسمه مهدي،يريدون التحدث معي على انفراد. بدى بندر منفعلا بينما كان مهدي محبطا.. فقلت لبندر ما الامر ؟ قال : جائني مهدي بالامس يريد اجازه بحجة ذكرى يوم عاشوراء لدى الشيعه، وانا رفضت،والسبب ان لدينا رحله الى اسكوتلندا، كما انه لا يوجد في النظام عطله ليوم عاشورا. تمام .. سمعت قولكما .. اسمع يا مهدي .. طلبك مرفوض انصرف الى عملك .. ابقيت بندر ثم سألته .. اخبرني عن سيرة مهدي الذاتيه .. كابتين هو ممتاز ومن خيرة الافراد . . يا ترى لو طلب منك اجازه ولم يذكر السبب، هل كنت ستوافق ..؟ احتمال الموافقه كبير .. اذن لو لم تكن الاجازه ليوم عاشورا كان من الممكن ان توافق .. ؟ بصراحه نعم .. ولكن سبب رفضي كونها ليست نظاميه .. وهل اجازة الكرسميس او السبت والاحد هنا بالنسبة لنا نظاميه ..؟ لا طبعا.. ولكن نحن مضطرين لارتباطنا بايام العمل في بريطانيا .. ولكن كيف تسمح لنفسك٬ ان تاخذ اجازه عند الضروره،بينما لا تسمح لمهدي لو كان مضطرا ..؟ ضحك ثم قال : جواب صعب .. قلت : الاصعب ان تتخذ قرارا شخصيا ضد رغبة شخص،بسبب انتمائه المذهبي .. لا .. لا .. كابتين .. انا لا يمكن ان افكر في هذا الشيء .. إذن تصرف بما يمليه عليك ضميرك .. شكرا .. تستطيع الانصراف الان .. رفعت الحبال وارتفعت الاعلام وابحرت السفينه ولم يكن مهدي معنا.
(مارتن) قسيس القرية …
بعد انتقالي باسبوعين الى قرية (كلانفيلد ) خرجت مع الأولاد الى منتزه عام خلف المنزل،القرية عبارة عن بيوت متناثرة بين عدة حقول عدد الخيول فيها يفوق عدد السكان …! قابلني القس (مارتن) في مدخل الحقل ورحب بي،ثم بادرني قائلا : اهلا بكم في هذا العالم المسيحي … شكرته مصافحا بينما انطلق الاولاد للعب الكرة. وجدت القس مارتن منفتحا نسبيا مقارنة ببقية الجيران، ربما لكونه رجل دين، كنت حينها متعطش للحديث مع أي مخلوق في هذا المكان النائي، فلقد مضت عدة أسابيع لم اتحدث فيها مع احد من الجيران.الأمر الذي أثار حفيظتي فقذفت القس بسؤال جاف ومباشر محاولا كسر الحاجز … لأي فرع من فروع المسيحية تنتمي كنيستك … ! فسلقني بنظرة والحقها بابتسامة ساخرة قائلا : ما ذا تتوقع عندما تشاهد كنيسة قابعة في احدى قرى الريف في مقاطعة هامشير …! سكت ثم شعرت بعد قليلا من التردد بان لديه الرغبة في المشي سويا، فاقتربت منه وضبطت الخطوات معه، وصرنا نتحدث بشكل متقطع حتى اقتربنا من الكنيسة التي كانت في طرف الحقل، فدعاني للجلوس على كرسي خشبي مُعمر قد استوطنت الطحالب في شقوقه، في زاوية مهجورة من الكنيسة. ثم أخرج من حقيبته اليدوية بطاقة فيها شعار لصليب بنفسجي داخل دائرة بها فتحة صغيرة واشار اليه باصبع السبابه قائلا : ردا على سؤالك نحن نتبع الى الكنيسة الانجليزية مثل معظم الكنائس في انجلترا … وما هو الفرق بينكم وبين بقية الكنائس ؟ما ذا تقصد ! قلت : مثلاً لو أرادت أن اكون تابع لكم ماذا يتوجب عليّ أن يفعل ؟ ضحك القس وقال : انا متأكد بان تحولي من المسيحية إلى الإسلام اسهل بكثير من تحول سعودي مثلك إلى الكنيسة الانجليزية …! ثم وضع رجل فوق الأخرى و استدرك قائلا : هل يهمك معرفة الفرق …؟ قلت إذا كان لا يضايقك … ابدا لا يضايقني ألا تعلم أن رجال الدين يحبون الثرثرة قالها ممازحا … ثم استدار نحوي وقال يوجد فروقات جوهرية بين تعاليم الكنيسة الانجليزية وبقية الكنائس . فعلى سبيل المثال لو ذهبت إلى الكنيسة الكاثوليكية لطلبوا منك ان تتحول الى الكاثوليكية حتى لو كنت مسيحيا وتتبع كنيسة اخرى، ام الكنائس الاخرى مثل الانجلية والكاثوليكية الرومانية فلديهم قوائم طويلة من التعاليم تفرض عليك ما يتوجب اتباعه وقوائم اخرى عن اشياء مطلوب منك الابتعاد عنها … ام نحن في الكنيسة الانجليزية فالامر مختلف تماما .فبشكل عام لا نفضل ان نضع قيود على اتباعنا،بل نحب ان نترك لهم فضاء ومساحة واسعة من الحرية، فلا نطالبها بسوى ان يكون الانسان صادقا أمينا محبا للخير بعبارة اخرى ان يكون (جنتلمان) واذا حضر القداس مرة في العمر واكل من الخبز وشرب من النبيذ في الكنيسة يكون حينها قد قام باداء الحد الاقصى من طقوس الكنيسة …! وبطبيعة الحال الملكة تقف على رأس الهرم في الكنيسة الانجليزية التي اخترعها الانجليز لانفسهم. اي ان الله هو الشخص المتناهي في الطيبة (The ultimate good chap) معاذا الله هذا على حد وصفه . كما لاحظت في اثناء حديثي معه بأنه يذكر انجلترا تارة وبريطانيا تارة اخرى … فسألته عن السبب …؟ فضحك وقال ممازحا : انا رجل دين سيء … من المفترض ان لا ارتكب هذا الخطأ الفادح ولكن على اي حال هما كمصطلحين قابلين للتأرجح يُقصد بهما … إنجلترا …! الأمر الذي قد يثير حفيظة بقية سكان الجزيرة من الاسكتلنديين وغيرهم. .. عاد الاولاد مسرعين وهم يلتقطون انفاسهم وقد ادلهم الظلام فودعت مارتن بعد ان قضيت معه وقتا ثمينا واتفقنا ان يكون اللقاء القادم في منزلي.
تفاحة ادم ..
بدأت السفينه في الابتعاد تدريجيا عن الرصيف٬وقد خلا تماما من الناس٬ فيما عدا شخص واحد٬ لمحته من بعيد منتصبا كالالف٬ يلوح لنا باشارة تعني الوداع والاعتذار ٬فامسكت بالناضور لكي اتحقق منه٬فانجلت هيئته لي بصعوبه٬فقلت لمن حولي : آها .. انه مهدي يا شباب جاء ليودعكم٬ فصمتوا برهه .. ثم ابتسم بعضهم لبعض٬ ولوحوا له ببرود بعد تردد مشوب بنوع من العتب٬بالطبع سبب هذا هو تخلف مهدي عن الابحار معهم٬ فليس ثمة رابط بين البحاره اقوى من رابط الابحار سويا. جلست على الكرسي بعد ان خف الازدحام٬ وخفتت النداءت٬ وهدأ الضجيج في برج القيادة٬واخذ الجميع اماكنهم حالما استقرت السفينة على المسار المحدد لها سلفا باتجاه ممر السولنت الاكثر ازدحاما في شمال اوروبا. يقول الانجليز : في السولنت اي شيء ممكن الحدوث ..! ففي هذا الممر تحطم عدد هائل من السفن بسبب سوء تقدير الاحتمالات٬ كذلك يمكنك تطبيق كل ماتعلمته من حسابات ومهارات وقوانين٬ وايضا رؤية نتائجها وردود افعال الجميع اتجاهك٬ خصوصا اذا كنت كابتين وقد تصاعد الموقف وتطلب الامر منك قرار نهائي وحاسم ٬ نتائجه سوف تجعل جميع الانظار تتجه اليك٬ اما باعجاب او بسخريه دفينه .
كان الجو غائما والامواج صغيرة ومترادفه يكسوها البياض٬تلطم ولكن برفق ربما تنذر بالمزيد حال وصولنا الى البحر المفتوح .. الجميع قد لبسوا اللون الكاكي مع القبعات الزرقاء٬معظمهم قد وضع كيس بلاستيك في الجيب الخلفي للبنطلون٬ تحسبا لأي غثيان مفاجيء٬فمقاومة دوار البحر تحتاج الى عزيمه ورياضه نفسيه٬ تُلهي صاحبها عن التفكير فيه٬ وتُبقيه واقفا على قدميه الى حين ..! دوار البحر ليس مرضا٬ بل حاله اعياء مؤقته يضرب عصب التوازن في الاذن إلا أنه يزول بمجرد زوال مسبباته٬ لكنه ينال من كبرياء البحار عندما يلقي به ارضا٬ ويتركه يائسا ممدا على الفراش٬ فيشعر بالعجز والاهانه امام الاخرين. منهم من لا يعاني منه إلا في اضيق الحالات وهم قله .. كما ان هناك من تكون معاناته شديده .. تعرف الواحد منهم من وجهه المكرمش٬وتفضحه عيناه التي ترف بسرعه٬ ومن حركة تفاحة ادم في بلعومه٬محاولا عبثا ايقاف الغثيان عن طريق الاسراع في البلع . يندر ان يصاب الكباتن بالدوار٬ يلهيهم عن ذلك القلق المتنامي من المسؤليه٬ والتحسب لمزاج البحر المتقلب وايضا لعبة الاحداث الطارئه .
التفت الي زيد قائلا : كابتين سوف تمطر بعد قليل .. قالها بملامح واثقه ! قلت : ليس مستغربا .. غيوم ورياح وامواج متلاطمه٬لم يبقى سوى المطر لكي يكتمل الحفل يا زيد .. ! ضحك وقال : لا .. ما اقوله لك ليس مصدره الاحوال الجويه ..! انه من عندياتي .. كابتين ارأيت ذلك الجسر الذي امامنا .. ؟ قلت نعم فقال : ان كنت تراه فهذا يعني بان المطر قد اصبح وشيكا٬ وان كنت لا تراه تكون السماء قد امطرت .. بالتالي المطر حاصل لا محاله٬ مثل الشمس في بلادنا.. ضحك جميع من في برج القياده٬ وسررت انا من توقيت الدعابه٬ فنحن بحاجه ماسه لدخول السولنت بمعنويات عاليه٬ لذا حاولت ان اقلب الطاوله عليه ..! فسألته : هل تعلم يا زيد ان هناك قطارا يمر الساعه العاشره تماما من كل يوم فوق هذا الجسر ؟ قال : نعم شاهدته مرارا قلت :إذن اريد ان تكون السفينه تحت الجسر في نفس اللحظه التي يكون فيها القطار فوقه٬ اي الساعه العاشره بالضبط ولك مني مكافأه . فنظر الي ببعض عينيه وببعض جسمه٬ وشعر انه امام تحدي يريد اقتحام موهبته كضابط ملاحه من الطراز الاول .. ثم انتصب امامي واثقا وادى التحيه وقال: قبلت التحدي .. ضبط الجميع ساعاتهم على ساعة السفينه٬ واعُلن عبر مكبرات الصوت عن هذا التحدي لاعطائه زخما ومتعه اكثر٬ بينما شرع زيد في سباق مع الزمان وظرف المكان٬ يعطي التعليمات والمهمام لفريق الملاحه٬ فمضى كل منهم يضرع المكان مستعينا بصور الرادار واجهزة الملاحه٬وبرصد زوايا العلامات البارزه٬ ثم يحول جميع تلك النتائج الى رسومات على الخارطه٬ بهدف تحديد موقع السفينه بدقه متناهيه٬ لضبط اتجاه السير وتحديد السرعه الفعليه٬ بغية الوصول تحت الجسر في الزمن المحدد لوصول القطار. فكلما قبض زيد على دقيقه دسها في جيبه تحسبا لاي تأخير مفاجيء٬ يكون سببه اعتراض سفن او زوارق صغيره . اما انا فلزمت الكرسي كرجل مسترخي تحت ظل شجره٬ اقلب الامور في ذهني٬واتابع باحترام واعجاب المهاره والثقه المتبادله بين زيد وفريق عمله٬المنشغلون بترويض الخصائص الطبيعيه٬ من خلال معادله حسابيه دقيقه٬ تعتمد على الرصد والمشاهده٬وتلغي جميع المؤثرات عن كاهل السفينه٬فلا تتزحزح عن مسارها المرسوم ٬هذا المشهد الازلي لم يتغير منذ ان رست سفينة نوح على الجودي وان اختلفت الوسائل او زادت او نقصت المعارف .
انكشف الجسر امامنا واصبحنا ندنو منه بصمت فيما عدا صوت زيد الذي بدأ يردد العد التنازلي بصوت عالي .. ٢٢ .. دقيقه وتكون السفينه تحت الجسر والقطار فوقه .. نظرت اليه والى الساعه بابتسامه منزويه ومكتومه بينما هو لم يعرني اي انتباه .. حينها انتشر الطاقم في كل انحاء السفينه يترقبون اللحظه الحاسمه .. واستمر زيد في العد .. ٤ دقائق .. تلتها دقائق من الترقب والسكون .. ثم صاح الطاقم صيحة رجل واحد عندما سمعوا صوت عجلات القطار تجلجل فوق رؤسنا معلنة الساعه العاشره تماما .. فتنفس زيد الصعداء ثم ابتسم وهو فاغر فاه …
تركي وغازي وما بينهما …
إستُدعيت الى مقابلة مع السفير بعد وصولي بخمسة اسابيع حسب البرتكول الذي وضعه السفير (غازي القصيبي) وصلت الى مكتبه في الموعد المحدد وقدمت نفسي الى السكرتيرة والتي طلبت مني الدخول الى فورا ومن دون تردد فوجدته قد فرْغ نفسه للمقابله غير منشغل باي عمل اخر. عرفته بنفسي بعد ان صافحته واشار لي بالجلوس وقد خلى مكتبه من اي ورقه سوى ورقه واحده وضعها امامه عرفت فيما بعد انها كانت سيرتي الذاتية . وجدته حزين وجاد … ضخم الهيكل، على شفتيه ابتسامة عابثة، وفي عينيه نظرة ناعسه ترسل ومضات متفحصة. يُمسك بمسبحة خضراء بين اصابع يده اليمنى . فبعد ان فرغنا من تبادل العبارات الترحيبية شرع في الحديث قائلا : انا اعرف بان لديك تجربة سابقة مع الانجليز عندما كنت قائدا لسفينة الجوف واتذكر في نوفمبر عام 95 بانني كنت حاضرا في حفل وداعكم في ساوثمبتون. قلت نعم يا معالي السفير اتذكر ذلك جيدا وتشريفك لحفل وداعنا امر لا ينسى . قال لي : سوف اقول لك كلاما خارج عن اطار الرئيس ومرؤوسيه ولا يندرج تحت باب النصائح لان الناس بطبيعتهم ينفرون من النصيحة … ثم استرسل قائلا : لا تحاول ان تبذل جهدا في تحسين صورتنا لدى الانجليز او تتعب نفسك في تعريف الانجليز بثقافتنا هم يعرفونها جيدا مع ذلك يتعمدون الاساءة الينا …! كن قويا فهؤلاء لا يحترمون إلا الاقوياء ولا تهتم او تكترث بما يقولون … ! ثم احسست بانه قد توقف عن الكلام فبادرته قائلا : ما تفضلت به يا معالي السفير سوف يكون بالتأكيد محل حرصي واهتمامي بعدها شعرت ان وقت المقابلة قد أزف فسألته ان كان يأمرني بشيء او يأذن لي بالانصراف … ابتسم فجأة وقال : الانصراف … كلمة لا تجدها إلا في القواميس العسكرية … لم يكن لي ميول عسكري يوما من الايام ولكني أحب الانضباط لديكم … انتم ايها العسكر لكم اسلوبكم ومفرداتكم الخاصة بكم … ثم نهض بقامته الطويلة نهوض جمل يحمل اثقال ومد يده مصافحا وقال : على اي حال اتمنى لك التوفيق في عملك وانصرفت مبتهجا فالمقابلة مرت بسلام وعلى العكس مما توقعت قبل المقابلة فالعديد ممن سبقوني في المحلقية العسكرية تركوا عندي انطباع بان السفير لديه حساسية تجاه العسكريين بوجه عام … ! عرفت فيما بعد انها كانت بسبب خلافات بينه بين مسؤلين كبار احطت به من وزير الى سفير في البحرين ثم لندن … ! فعلى الرغم من انني قضيت معه اربع سنوات فلم يكن هذا واضحا في تعامله معي من خلال مداومتي على حضور الديوانية في كل اسبوع من يوم الاربعاء .
غادر غازي لندن وجاء الامير تركي الفيصل من بعده واستدعاني لمقابلته بعد مضي قرابة شهرين من وصوله.وصلت في الموعد المحدد فوجدت مكتب السكرتاريا يعج بالاشخاص وباب مكتب السفير مفتوح على مصراعيه، وسمعت حديث يدور بينه وبين اشخاص في الداخل … انتظرت نصف ساعه ولم يؤذن لي بالدخول، فسألت السكرتيرة فاشارت لي بالدخول بنظرة من هو فاقد للسيطرة وبات الامر لا يعنيه … وقفت عند الباب وطرقته برفق والقيت السلام من بعيد، فسكت من كانوا حوله، فنظر الي الامير باستغراب فعرفته بنفسي وان لدي موعد لقاء معه، فرحب بي وقال اهلا وسهلا تفضل سيادة العقيد، فصافحته وطلب مني الجلوس على اريكة في زاوية من المكتب. ثم جاء وجلس بجانبي بعد ان انفضوا من كانوا يجلسون معه … كان لطيفا محترما ومتواضعا وإن كان يبدو شديد السمرة واكبر من عمره بسبب اخاديد حفرها الزمن اسفل وجنتيه … لديه فكر منظم ودقيق بشكل ملفت للنظر يتحدث بثقة وبصوت مسترخي النبرات بطريقة توحي اليك بانه يعرف الامور سلفا بما في ذلك سيرتي الذاتية …! يُحب ان يلقي السؤال ويتفرج على وقع السؤال عليك … فاجأني ومن دون اي مقدمات قائلا : نحن مقصرون يا عقيد صالح … فعقبت بالكليشة المعروفة … هذا مؤكد يا سمو الامير … ثم استرسل في الحديث … نحن يا عقيد صالح مقصرون في نشر ثقافتنا بين الانجليز نحتاج ان نبذل جهودا جبارة عن طريق وضع برامج وتنظيم فعاليات في لندن وفي جميع انحاء بريطانيا، لكي نتمكن من ايصال رسالتنا اليهم وتغيير الصورة النمطية والسوداوية التي يروجها الاعلام المعادي للمملكة … ! كنت استمع اليه باذن واحدة واهز راسي بينما الاذن الاخرى كان كلام غازي المغاير يصب فيها مثل الطنين …! بعدها حل شيء من الصمت بيننا امسك هو بكوب القهوة ثم نظر الي مبتسما واشار الى كوب القهوة الذي أمامي … … القهوة … اي اشرب قهوتك قبل ان تبرد وان نهاية وقت المقابلة قد بات وشيكا … ثم ختم الحديث بضرورة تضافر الجهود وان على الملحقية العسكرية دور كبير خصوصا انكم تمتلكون امكانات اكثر من بقية الملحقيات … فاكد له باني سوف ابذل ما في وسعي للمشاركة في هذا الواجب الوطني … بعدها ودعته وداع كمن للتو فرغ من قراءة روايه تقول أن رواية شقة الحرية من صنع فتى امرد حدث ومتهور.
دوائر التأثير …
في المساء من ذلك اليوم اتصل بي صديقي عثمان وهو رجل دولة مخضرم اكبر مني سننا تقلد عدة مناصب ولكن كان حينها لا يشغل اي منصب،فاتفقنا على تناول العشاء في مطعم بناء على رغبته. طلبت من (ستيف تالنت ) مشاركتنا العشاء فوافق .ستيف صديق وموظف سابق في الخارجية البريطانية .فطرحت عليهما موقف السفير غازي والأمير تركي بطريقة فيها نوع من الهزل الذي ينطوي على شييء من الجدل حيال تعاطي كل منهما مع الإنجليز … وعلى العكس مما توقعت فلم يندهش عثمان مما قلت ولم تبدو عليه علامات الاستغراب وقال … اسمع يا صالح … لا يوجد تباين او تناقض بين الموقفين غازي مُحق كان يقصد النُخب السياسية او المختارون من المجتمع وايضا تركي كان صائبا اصاب بتوجيه خطابه الى العامة من الانجليز … اقنعني تحليله للوهلة الأولى فحبست انفاسي قليلا لكي اسمع رأي ستيف الذي كان كعادة الإنجليز مضمرا نيته في الرد فاستعجلته بطلب رأيه فتلكأ وبدأ الحديث بمقدمة شائعه على السنة الانجليز : هذا يعتمد على كيف تنظر الى هذه المسألة …! فلا يمكن الفصل بين العامة والخاصة اي النخب في بريطانيا فالاول غالبا يصب في الاخر وقد يحدث العكس احيانا …! مع اني اتفهم رأي تركي من جهه ولكن افضل التعاطي مع هذه المسألة باسلوب مغاير،والسبب كما قال غازي ان الانجليز يعرفون الكثير عن شعوب العالم خصوصا العرب والسعودية بالتحديد.لدينا قناعات ليست بالضرورة صحيحة او على الاقل ليست من المنظور الإيجابي الذي يروق لكم .لذلك سوف نعيا اذا حاولنا تغيرها عن طريق حملة علاقات عامه لمدة ايام او اسابيع يتخللها نشرات دعائيه وصور او هدايا والسبب ان هذا الاسلوب لا يجدي نفعا والسبب أن الثقافة والرأي العام في بريطانيا مضمار متعدد المسارات جيّاش في سجال دائم بين ودوائر التأثير، لذا عليك ان تعرف كيف تسلك طريق متعرج بين حافتين من الهاوية خصوصا عند التعاطي مع الاعلام والسياسة البريطانيه …! عذرا لا ادري اذا كان ما قاله تركي سوق يحدث اي تغير يذكر في الصورة النمطية عن السعوديه، التي يغلب عليها إشباع الحاجات الغير ضرورية عن طريق الترف المفرط ،البترول اداة لابتزاز الاقتصاد العالمي ، التشدد الديني وتبعات الحادي عشر من سبتمبر وما نشأ عنها من أثر … فاستوقفه عثمان قائلا :هذه صورة مغلوطة فهل من المفترض ان نسعى الى تغييرها طالما انها في الاساس ليست صحيحة ؟ نعم سيد عثمان لا يهم علينا ان نحاول التعريف بالثقافة السعوديه بقدر مقبول من الحياد الايجابي … ولكن كيف يا ستيف حاولنا على مر عدة عقود والنتيجة كما ترى فشل معيب في حقنا … اعلم ذلك يا صالح وهذه نتيجه متوقعه لعمل يفتقر الى قراءه واقعيه ودقيقة للحياة الاجتماعيه والسياسية في بريطانيا والتي تشبه الى حد كبير سوق البورصة …! تجد فيها الاسهم القياديه الرصينة واسهم المضاربه وايضا الاسهم الناشئة الواعدة واخرى ثمثل حطب السوق … ساد الصمت لبره كان عثمان حينها مرخيا جسده على الاريكه و وهو يصغي بانتباه ثم اعتدل وشق السكون بهدوء واضعا بمرفقيه على الطاولة مدخلا أصابعه في بعضها وقال بصوت ناشيء عن علة في الأوتار وبلغة ركيكة و متداعية في صياغتها : هل من الممكن ان تضع الموضوع في صورة ابسط يا ستيف ؟ حسنا سوف احاول بقدر ما استطيع : إن التيارات المؤثرة في بريطانيا عبارة عن عدة دوائر متداخلة لا تلتقي في مركز واحد، هي دوما في حالة تجاذب لذلك ليس لها مركز و لا تقع تحت سيطرة جهه بعينها . فقلت لستيف .. هل هناك من أحد يعرف الجهات التي تحرك تلك الدوائر …؟ نعم صالح ولكن تلك الجهات التي تحركها تتغير كأي شيء اخر في الحياة بينما بقيت المكونات الاساسية اقصد بذلك مؤسسات الدولة دون تغيير لقرون عديدة او كما يقول الانجليز هي موجودة منذ أن يوليوس قيصر سلّ سيفه …! لذا ليس من الصعب على أي إنسان بريطاني لديه قدر معقول من الاطلاع معرفة تلك الدوائر ورصد المؤسسات التي تتأثر بها سواء بشكل مباشر او غير مباشر . فعلى سبيل المثال هناك :
ملكة بريطانيا –
ممثلة في الصلاحيات المخولة لها في الدستور وكذلك نفوذها من خلال الخواص من الطبقة الارستقراطية من ملاك الأراضي والسياسيين والتجار والجمعيات الخيرية التي تتلقى الدعم المادي والمعنوي من قصر (بكنقهام بالاس) وحاشية القصر ورجال الدين بصفتها تمثل علياء الهرم بالنسبة للكنائس الإنجليزية فهناك (كاتدرائية كانتربري) الرمز الديني للكنيسة الانجليزية وايضا السياسي ممثلا بكنيسة (ويست منستر ابي) وفي اعلى مكان في لندن يوجد (كاتدرائية سانت بول ) التي تأسست عام 604 م وتمثل أسقف لندن الأمر الذي يجعل الملكة تتمتع بقدسية تفوق حتى مكانة المطران الاعلى للكنيسة الإنجليزية.
ولو امعنا النظر في الصلاحيات المخولة للملكة لوجدناها في انحسار بفعل التجاذب بين القصر والبرلمان ومواصلة البرلمان في انتزاع الصلاحيات من العائلة المالكة مع ذلك لا زالت تحتفظ بمكانه مؤثرة في الحياة السياسية في بريطانيا.
– See more at: http://elaphblogs.com/post/%D8%A8%D9%88%D8%AD%20%D8%A7%D9%84%D8%B4%D8%B1%D8%A7%D8%B9%20..%20%D8%A7%D9%84%D8%AC%D8%B2%D8%A3%20%D8%A7%D9%84%D8%AB%D8%A7%D9%84%D8%AB%20…%D8%AA%D9%81%D8%A7%D8%AD%D8%A9%20%D8%A7%D8%AF%D9%85%20..-48477.html#sthash.x7ewERLk.dpuf
– See more at: http://elaphblogs.com/post/%D8%A8%D9%88%D8%AD%20%D8%A7%D9%84%D8%B4%D8%B1%D8%A7%D8%B9%20..%20%D8%A7%D9%84%D8%AC%D8%B1%D8%A3%20%D8%A7%D9%84%D8%AB%D8%A7%D9%86%D9%8A%20-44946.html#sthash.znlnD1rK.dpuf